صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

74

تفسير القرآن الكريم

للملة والحكمة ، فمن صدّق وآمن في المعاد بهذا فقد آمن بيوم البعث والحساب والجزاء ، وقد أصبح مؤمنا حقا ، والنقصان عن هذا خذلان بل كفر وطغيان . ولا يلزم من هذا أن يعتقد أن مشوّه الخلق يجب أن يبعث مشوّه الخلق ، ولا الأقطع والأشلّ والأعمى والهرم يجب أن يبعثوا كذلك ، كيف وقد ورد في الأحاديث خلاف ذلك ، فعود الشكل والهيئة والمقدار عينا أو مثلا غير لازم ، كيف وقد ورد في الحديث « 1 » « إن ضرس الكافر مثل جبل أحد » « وإن أهل الجنة جرد مرد » « 2 » بل اللازم شكل مّا وهيئة مّا ومقدار مّا مع انحفاظ التشخص . وليس بواجب في كل فرد من الإنسان أن يحشر مع بدن من الأبدان ، بل الكاملين في العلوم إنما يحشرون إلى اللّه ، مفارقين عن الأجسام بالكلية ، منخرطين في سلك الملائكة المقربين ، الذين طعامهم التسبيح وشرابهم التقديس ، وهم الذين من خشية ربهم مشفقون . قوله جلّ اسمه : [ سورة السجدة ( 32 ) : آية 11 ] قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ( 11 ) « التوفي » و « الاستيفاء » بمعنى واحد ، فالمتوفّي للنفوس والأرواح هو المخرج لها كلها من الأبدان ، بحيث لا يترك منها شيئا ، من قولك : « توفّيت حقي من فلان « واستوفيته » إذا أخذته وافيا كاملا من غير نقصان . وفي الكشاف نقلا عن مجاهد : « حويت لملك الموت الأرض وجعلت له مثل الطست يتناول منها حيث يشاء » وهذا تمثيل لتصرفه في جذب الأرواح إلى اللّه تعالى

--> ( 1 ) المسند : 2 / 328 . والحديث مروي بألفاظ مختلفة ، راجع المعجم : 3 / 508 . ( 2 ) المسند : 2 / 295 . الترمذي : 4 / 682 . ، كتاب صفة الجنة ، الباب 12 .